عبد الله بن محمد البطليوسي
522
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب
جنبه ، فينخرط من الرحم في سرعة ، وإذا خرجت رجلاه أولا ، تجافت ذراعاه عن جنبيه ، فاعترض في رحم أمه ، فربما كان سبب هلاكها . وقوله : « حملته أمه وهي ضيفة » يريد أن أمه حملت به وقد دعيت إلى ضيافة فجاء حريصا على الضيافات ، محبّا في الدعوات . وأشار بذلك إلى زنا أمه وكونه لغير رشدة . ويروى : « فجاءت بنزّ من نزالة أرشما » ، و « النز » : الخفيف و « النزالة » : ما ينزل من المني في الرحم . وهذه الرواية أبلغ في الهجو ، لأنه أراد أن يكون من مني رجل أرشم ، فغلب عليه شبه أبيه ، فجاء أرشم مثله . وفي معنى هذا البيت وإعرابه إشكال شديد ، لأنه قال « 1 » قبل هذا البيت [ 347 ] يخاطب جريرا : فإنك قد جاريت سابق حلبة * نجيب جياد بين فرعين معلما لزاز حضار يسبق الخيل عفوه * على الدفعة الأولى وفي العقب مرجما ثم قال : لقى حملته أمه . . . البيت . وقال بعده : مدامن جوعات كأنّ عروقه * مسارب حيات تسرّبن سمسما فألقى عصا طلح ونعلا كأنها * جناح سماني صدرها قد تخذّما فمن روى : فجاءت بيتن جعله هجوا ، وجعل قوله « لقى » : منادى ، أراد يا لقى ، وكان حكمه أن يكون مرفوع الموضع ، لأنه قصد به جريرا ، ولكن لما كان ما بعده من صفته ، أشبه المضاف إليه لطوله ، فنصبه وصار بمنزلة قولك : « يا خيرا من زيد » ، ويدل على أنه في موضع نصب ، تنوينه إياه . ومن روى : « بنز من نزالة أرشما » ففيه إشكال ؛ قال قوم : هو هجو ، وهو الظاهر من أمره . وقال قوم : هو مدح ، وهو من صفة نفسه لا من صفة جرير ، واحتجوا بالبيتين اللذين قبله ، وجعلوا « لقى » صفة لقوله « لزاز حضار » ، وقالوا : معنى قوله في صفة نفسه : « لقى » أنه لم ينعم عيشة ، ولا كان ممن يميل إلى الرفاهية والدّعة . قالوا : وأراد بقوله : « وهي ضيفة » أنها كانت ضيفة ، فامتنعت عليه ، فنكحها كرها ، فغلبها على شبه الولد ، فجاء مذكرا .
--> ( 1 ) الأبيات في النقائض ص 43 - 45 ، والثالث في المعاني الكبير ص 675 ، 1192 .